أساليب السيطرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أيقونة أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في السبت يوليو 09, 2016 4:06 am

بسم الله الرحمن الرحيم :


أساليب السيطرة : 


هناك كُتيب صغير نشر سنة 1974 من قبل أحد الكتاب الغربيين الأحرار الذي أطلع على مجموعة من الوثائق السرية والمعلومات الهامة والخطيرة جدا التي تفضح أساليب النخبة المسيطرة في عصرنا .. 
وقد جاء الكتاب على شكل وصايا وتوجيهات يلقيها أحد كبار السلطة الخفية (لم يذكر الكاتب اسمه) رفقة مستشاريه لأحد أبناءه الذي وقع الاختيار عليه في توريثه السلطة والتحكم من بعده .. 
حيث وضحوا له (أي الابن) الاساليب الاساسية التي يجب أن يسير عليها في إتقان فن السيطرة على المجتمعات البشرية بكافة أنواعها ومستوياتها  .. 
والذي قام بترجمة الكتيب هو الكاتب علاء الدين حلبي الذي استفتح بمقدمة أحسبها مهمة وتضع أعيننا على الصورة ، سأنقلها الى جانب نقلي لأهم فصول الكتاب الذي سيوضح لنا قليلا عن ذلك العالم المظلم الذي من ظلامه يخرج الشرإلى عالمنا ...هم بيننا لكنهم يجدون لبس الأقنعة التنكرية  .. 
كما أنني سأحاول أن أتعقب بالشرح أو التوضيح أو التعقيب  لبعض الأمور التي سترد في المنقولات القادمة  .. 
والكتاب جاء بعنوان : 


التكنولوجيا الخفية لسلطة 




عدل سابقا من قبل Aragon في السبت يوليو 09, 2016 4:17 am عدل 1 مرات
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في السبت يوليو 09, 2016 4:11 am

مقدمة المترجم :

القابعون في الظلام

لا بد من أن معظمكم شاهد فيلم العــرّاب THE GODFATHER الذي فتن قلوب الملايين حول العالم حيث أدهشهم ذلك العالم الخفي القابع وراء كواليس الحياة اليومية للمجتمع الأمريكي. لقد تمكّن الإخراج البارع لهذا الفيلم من تهييج أشجان الكثير من المشاهدين بحيث استطاع تحريك الجانب العاطفي لديهم بدلاً من إثارة الرعب في نفوسهم من مدى الخطر الذي يخفيه الواقع الحقيقي الذي عبّر عنه، وبالإضافة إلى مجموعة أخرى من الرسائل الخفية التي حاول إيصالها للمشاهد بطريقة ذكية.




حتى في عالم الجريمة المنظمة، تبيّن أن هناك أعراف وتقاليد وجب احترامها والالتزام بها. جميع العائلات تخضع لقانون عام ينظّم المنافسة، وحتى الحروب الشرسة، التي تنشب فيما بينها.. وكل شيء قابل للتفاوض، حتى المسائل المستعصية والأكثر تعقيداً. حتى في ذلك العالم الدموي الذي لا يعرف الرحمة، نجد الدبلوماسية الراقية ذات المستوى الرفيع، والتخطيط العبقري، والتنفيذ المحترف، والحكمة العالية... والكثير الكثير من القسوة والبطش. وعندما تجتمع هذه العوامل، لا بدّ من أن تتجسّد القوة النافذة والسيطرة المطلقة.



وقد استنتجنا حقيقة مهمة جداً، هي أن السيطرة ليست مجرّد نزوة قدرية عابرة، أي صعود عفوي لأحد الأشخاص إلى القمة حيث ينتظره في المقابل هبوط محتوم يقرره القدر أيضاً. بل يبدو أن السيطرة مهنة كما باقي المِهن الأخرى، لها أسرارها ومجموعة من العوامل التي تساهم في استمراريتها وازدهارها. وطالما بقيت تلك العوامل، وخاصة المحافظة على سرّية المهنة، فسوف تستمر السيطرة، وربما إلى الأبد.

وبما أن السيطرة تُعتبر مهنة كما باقي المِهن الأخرى، فهي إذاً قابلة للتوريث من الأب للإبن من أجل المحافظة على استمراريتها كما باقي المِهن أيضاً. وربما نجح الفيلم السينمائي الذي نحن بصدده في إظهار هذا الجانب، حيث صوّر الطريقة التي يكشف فيها العرّاب العجوز عن بعض الحقائق والأسرار التي أدهشت ابنه الوريث الذي واجه صعوبة في استيعابها بالبداية، لأنها تناقض كافة المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية التي نشأ عليها... الحياة التي يفرضها هذا المنصب الرفيع ليست سهلة كما كان يعتقد: ".. يمكن لخنجر الغدر أن يأتي من أقرب المقرّبين! وفي أي وقت! الحذر ثم الحذر من كل من تكنّ له عاطفة أو احترام... فهذه تُعتبر أدوات الموت في عالم الجريمة المنظّمة. وجب أن تكون ابتسامتك مزيّفة... وعاطفتك المتأججة ظاهرياً تكون مجرّد مكيدة مخادعة يقع في شباكها الغافلون...."

هناك الكثير من القصص والروايات التي تتحدث عن عائلات مختلفة تنتمي لهذا العالم الإجرامي الذي لا يرحم. لكن مهما بلغ هول الحقيقة المرعبة التي تكشفها هذه الروايات، إلا أنها تبقى حقيقة مجزّئة لا تعبّر عن الصورة الشاملة للواقع. فهذه العائلات المافياوية (المافيا)، مهما بلغ جبروتها، إلا أنه يبقى منحصراً في مقاطعة صغيرة أو مدينة أو ولاية... أي كل عائلة من هذه العائلات العديدة تسيطر على مساحة معيّنة من جغرافيا البلد وليس كل البلد. وجميع هذه العائلات تخضع بدورها لسلطة واحدة تقبع في مكان ما، بحيث تنظّم الأمور وتديرها بشكل أوسع. وهذه السلطة العليا الخفية تخضع لسلطة أعلى، وهكذا إلى أن تنتهي السلطة بيد مجموعة صغيرة جداً تقبع على قمة الهرم التراتبي الذي يشمل كافة شبكات الجريمة المنظمة حول العالم.

إذاً، فالصورة التي تتكوّن لدى القابعين في القمة هي أرحب وأشمل من تلك التي يراها عرّاب عائلة مافياوية تسيطر على إحدى المقاطعات الصغيرة في إحدى الدول. لكن السؤال هو: هل تسود الأجواء الإجرامية ذاتها في ذلك المستوى العالي جداً من السيطرة؟ كيف يفكرون هناك؟ ما هي الإجراءات التي يتخذونها للمحافظة على استمرارية السيطرة على العالم؟ ما هي المعلومات التي بحوزتهم؟ كيف ينظرون إلى العالم؟ كيف ينظرون للإنسان.. والحياة بشكل عام؟

هذا ما سوف نتعرّف عليه في هذا الكتاب الصغير الذي يصوّر لنا عملية توريث تجري في إحدى العائلات النخبة القابعة في قمة الهرم العالمي. قد تكون أي من العائلات المالية المعروفة مثل: "بارينغ" Baring، "لازارد" Lazard، "أرلانغر" Erlanger، "واربورغ"Warburg، "شرودر" Schroder، "سليغمان" Seligman، "سبيارز" Speyers، "ميرابود" Mirabaud، "ماليت" Mallet، "فولد" Fould، و"مورغان" Morgan... وعلى رأسهم طبعاً عائلات "روثتشايلد" Rothschild، و"روكفيللر" Rockefeller .. وعلى رأس هؤلاء.. لا أحد يعلم، حتى العائلات المقرّبة من النخبة تجهل هويتهم.

يصرّ مؤلف الكتاب بأنه إذا حصل تطابق بين ما ورد فيه وبين واقعة حصلت فعلاً في ذلك العالم الأرستقراطي الرفيع، فهذا مجرّد صدفة وهو لا يقصد أي من العائلات المذكورة في الأعلى. لكنه بنفس الوقت مصرّ على أن ما ورد في هذا الكتاب من معلومات وحقائق ثابتة، يمكن التحقق من مصداقيتها عبر الاطلاع على مجموعة كبيرة من المراجع المذكورة في نهاية الكتاب.

avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في السبت يوليو 09, 2016 4:17 am

إلى ولــدي.. 

في هذا المخطوط الصغير سوف تجد الصيغة المكتوبة لاستهلالية دخولك إلى أسرار إمبراطوريتي الحقيقية والتعرّف عليها عن كثب. اقرأه ثانية وثالثة، واستكشف المعرفة السرّية التي أصبحت تألف جانباً منها سابقاً. تريث لبرهة وتأمّل، وحضّر نفسك لاختبار ذات الصدمة والرهبة التي شعرت بها قبل عشرين عاماً مضى، حيث كنت في سن الثلاثين وتعرفت على المدى الأسطوري لقوة والدك من خلال مجموعة من المستشارين المؤتمنين لدي، والذين أصبح معظمهم في عالم الأموات اليوم. تذكّر الدهشة، لدرجة عدم التصديق، التي تملكتك عند رؤيتك كل تلك السلاسل (جنازير) الخفية، لكنها متينة، من الخداع والإرباك والإكراه التي نستخدمها نحن الأباطرة الرأسماليون لاستعباد هذا العالم الفوضوي الدنيء.

تذكّر ما يتطلبه الأمر من إرادة واستراتيجية حتى نبقى محافظين على موقعنا. ثم تذكّر ضرورة الاستمرار في تفقّد واستقصاء أتباعك وفريق عملك جيداً وبحذر شديد. وجب أن يكون وريثك مساوياً وكفؤاً للمهمة الموكلة إليه كما نجحت أنت في تنفيذها. انتقيه بحذر كبير. بينما أنا أقبع هنا منتظراً نهايتي، أصبح بإمكاني الاستمتاع بفكرة بقاء إمبراطوريتنا إلى الأبد، حيث لم أتجرأ بالتمتع بهذه الفكرة خلال تولي القيادة. يمكن للحسابات العقلانية لمسائل تتعلّق بالقوة والنفوذ أن تتعطّل بفعل رعشة السلطة ومتعة الشعور بالمجد والعظمة. هذه الحسابات الحكيمة والعقلانية أصبحت بين يديك الآن.

استهلاليتي بمناسبة انتسابك


بنيّ، لقد حان الوقت لأن يتجلى أمامك ما كنت تنتظره بإصرار لبعض السنين. من بين كل أخوانك، وأخواتك، وأولاد أعمامك، وبالإضافة إلى أولاد شركائي المقرّبين، اخترتك أنت لأن تكون وريثاً لإمبراطوريتي. جميع الذخائر المالية، والمؤسسات، والمنشآت، والحسابات التي من خلالها يتم التحكم بإمبراطوريتي سوف تنتقل إليك بعد استقالتي. جميع تحالفاتي واتفاقياتي وتفاهماتي وحتى الخصومات القائمة بيني وبين مجموعة قليلة من النظراء المنافسين حول العالم سوف تنتقل إليك. في الأعوام العشرين القادمة، سوف نتعاون سوياً أنا وأنت، ونتقارب أكثر وأكثر حتى نعمل في النهاية وكأننا شخص واحد.

لمدة عشر سنوات سابقة كنت تتنقّل في رحاب إمبراطوريتي من خلال سلسلة تراتبية من المهمات الإدارية وأصبحت الآن ملماً بالعمليات الظاهرية لأعمالي المصرفية، ومؤسساتي، ومنظماتي الحكومية وكذلك منظمات الدراسات الاستراتيجية التابعة لي. حتى الآن، بقينا أنا والمستشارين المقرّبين نتجنّب تساؤلاتك المصرّة حول الطريقة التي تعمل بها سياساتي المصرفية والمؤسساتية والمنظماتية التي بدت لك وكأنها متناقضة وفوضوية ومستقلّة عن بعضها، وتساءلت كيف يمكن لعدم التنظيم وعدم التناغم هذا أن يعمل لصالح عائلتنا والمحافظة على استمرارية موقعها بين العائلات المالية النافذة. في الحقيقة، إن طرحك هذه الأسئلة، وتصرّفك المتمرّد، وخاصة رفضك لصورتي الاجتماعية المزيّفة التي بنيتها بحذر طوال سنوات حتى ارتفعت إلى مستوى الألوهية، هو السبب الذي جعلني أكنّ لك الاحترام الكبير.

معظم منافسيك من الرجال المنتمين للعائلة ابتهجوا بمناصب قيادية مزيّفة اعتلوها في منظماتي العديدة فاكتفوا عند هذه الحدود وتخلوا عن مباراة المنافسة في التسلّق نحو المنصب الأرفع، والذي أصبح من نصيبك الآن. إن هذا النوع من الرجال، أصحاب النظرة القصيرة، يمثلون عناصر أساسية لنجاحي. إنهم ينحنون دون وعي للضغوط الخفية التي أعرّضهم لها. يمكنني قيادتهم إلى أي اتجاه أختاره، ذلك من خلال إرشادات قصيرة المدى تعتمد على كبرياءهم أكثر من ذكائهم، دون إطلاعهم على دوافعي الحقيقية ورائها، فتمثّل هذه الإرشادات أسراراً قصيرة المدى تقبع بشكل مؤقّت في عقولهم الحسودة وغير المنضبطة.

من ناحية ثانية، أهم العوامل التي جعلتك مختاراً كوريث مناسب لي يتمثّل بطبيعتك النفسية (السيكولوجية) التي تم تبليغي عنها بأمانة عبر السنوات الماضية من قبل زملائي الذين معظمهم تلقى تدريب متقدم في مجال السيكولوجيا. وجب على رجل في موقعي أن يتمتع بسيطرة كاملة على عواطفه. وجب على جميع التصرفات والقرارات التي قد تؤثّر على مصلحة العائلة ونفوذها أن تستند على حسابات عقلانية وباردة، هذا إذا كانت الغاية بقاء العائلة وازدهارها على حساب أتباعها ومنافسيها معاً. إن القوة والسلطة مستحيلة بالنسبة لهؤلاء الذين تكون ممارساتهم محكومة بالعاطفة، الحب، الحسد، شهوة السلطة، الثأر، التعصّب، الكره، حب العدالة، شرب الخمر، تناول المخدرات، وأخيراً الرغبة الجنسية. وبنفس الوقت، المحافظة على القوة تكون مستحيلة بالنسبة لهؤلاء الذين يكبتون كافة رغباتهم وشهواتهم في وعيهم الباطن لفترة من الوقت، حتى تأتي لحظة غضب مجنونة فتسمح بتدفّق كل هذه المكبوتات إلى الخارج فيتم التعبير عنها بطريقة لا يمكن السيطرة عليها. إن كل هذا يؤدي حتماً إلى دمارهم الأكيد. رغم تسلّح الفرد بقوة عقلانية ذات طبيعة حسابية هادئة، إلا أن السلوك الاندفاعي يقبع عند جذور هذه الطبيعة الهادئة، وبالتالي فهو حاضراً لأن ينفجر في أي لحظة غير متوقعة أو محسوبة.

رغم أنه عليك العمل على هذا الجانب النفسي باهتمام في المستقبل، لكنك نجحت في الاختبار على أية حال، حيث أظهرت عبر السنوات الماضية قدرة كبيرة على التحكم بطبيعتك العاطفية والاندفاعية وهذا ضروري جداً لتحقيق القوة الحقيقية والمحافظة على النفوذ والتفوّق على المستوى العالمي. وجب عليك اعتبار طبيعتك العاطفية بأنها مجرّد آلية بقاء بدائية كانت مناسبة في إحدى العصور للعيش في الغابة، أو ربما هي مناسبة للإنسان العادي، لكنها غير مجدية إطلاقاً بالنسبة للتحديات التي نواجهها نحن الرأسماليون الكبار. إن ملاحقة ما تفعله، فقط لأنك تقوم بفعله، يُعتبر خاصية نفسية ابتدائية للأشخاص العاديين. فهذه الخاصية الشاذة تُعتبر كارثية بالنسبة لنا. إن التركيبة العاطفية تجعل حياة البشرية مجدية وتستحق العيش، لكنها ليست مجدية إطلاقاً لممارسي فنون السيطرة وطقوس التآمر والتحكّم. على أي حال، استمرّ في إشباع رغباتك الحسّية والعاطفية إلى أن ترتوي. طالما حافظت الإمبراطورية على ازدهارها، سوف يبقى لديك المصادر الكافية لتنغمس في ملذاتك الحسية والعاطفية بشكل منتظم ومحسوب، فهذه وسيلة مجدية لمنع تراكم أي مكبوتات غير عقلانية في جوهرك وبالتالي تساهم في إبطال وتعطيل كافة اندفاعاتك الغريزية غير المحسوبة. سوف لن تكون في موقع أولئك الكادحين في الطبقات الوسطى، والذين بسبب عدم توفّر مصادر إرواء الرغبات الحسّية والعاطفية، يكبتون طبيعتهم العاطفية عندما يعتلون منصب قيادي معيّن في حياتهم. لكن، وبكل تأكيد، ينتهي بهم الأمر وهم يستمدون متعتهم من انتصارات آنية وكذلك متعة القسوة التي يظهرونها خلال كفاحهم القصير الأمد. وبالتالي، لم يعد النفوذ والسلطة يمثلان غايتهم النهائية، بل يهزمون أنفسهم المُحبطة أصلاً من خلال سلوكهم المتهوّر أثناء توقهم لتحقيق متعة الهيمنة المباشرة فقط.

لقد جمعتك في هذه الخلوة مع المستشارين الأكثر ثقة لدي، بهدف تدشين مرحلة جديدة من مسيرتك الإدارية للإمبراطورية. فتدريبك السابق على التعامل مع النظرة الرسمية للعالم السياسي/الاقتصادي قد اكتمل. وهذا اليوم سوف يمثّل انطلاقة جديدة حيث تتدرّب على التكنولوجيا الحقيقية للنفوذ والسلطة التي تختبئ وراء الواجهة الرسمية لإمبراطوريتنا. إنها التعاليم الخفية للطقوس المُتبعة للسيطرة على هذا العالم البائس. وكما سوف يشرح لك معلموك لاحقاً، فإن التعاليم الخفية، أو المعرفة السرّية، تمثّل أساس قوتنا ونفوذنا بين المجتمعات البشرية. لهذا السبب اخترت كلمة "التعاليم الخفية" occult لأنها تمثّل جوهر ما أقصده. أنا واثق بأنك أصبحت مدركاً لحقيقة أن الإنتاجية وحدها لا تضمن وجود القوة وبالتالي لا تضمن الرضا بالحياة. تذكر أنه حتى العبيد منتجون. ليس هناك أي من منظماتي التي خدمت أنت في معظمها بكفاءة عالية تهتمّ بتطوير التقنيات التي ترضي حاجات البشر ورغباتهم. وبدلاً من ذلك، فهي مُكرّسة لتجعل كافة الجهود المنتجة، حتى ولو بالإكراه، تتمحور حول سلطتي مباشرةً أو تعمل على توفير الظروف والأجواء التي تبقي على استمرارية هذه السيطرة الخفية في المستقبل. أنا لا أتسامح أبداً، بل أدمّر فوراً أي مجهود إنتاجي غير قابل لأن يعلق في شبكتي.

بعد فترة وجيزة سوف أترك المجال للبروفيسور A لكي يشرح المنظومة الرأسمالية من منظور بيولوجي. وبعد شرحه المُختصر، سيتبعه ستة من الزملاء بشروحات مُختصرة أيضاً تغطي مواضيع أخرى، وجميع هؤلاء الزملاء تعرفهم جيداً. وسوف نمضي عطلة الأسبوع هذه بمصارحات أخرى تمثّل إجابات شافية لكافة تساؤلاتك.

avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في السبت يوليو 09, 2016 4:25 am

البروفيسور A

حول دور الخداع في الطبيعة

ON THE ROLE OF FRAUD IN NATURE




كافة الكائنات الحيّة يعتمد نجاحها في البقاء على عامل الخداع أو القوة الجسدية أو في بعض الأحيان على تبادل المصالح (التعايش symbiosis). هذه الحقيقة واضحة وجلية، لكن يتم تجاهلها وتجاوزها بشكل عام بسبب الشرائع الأخلاقية والأدبية التي نفرضها نحن، النخبة المسيطرة، على رعايانا، وطالما فرضها أجدادنا المسيطرون على البشرية عبر التاريخ من خلال الأديان والتشريعات المدنية التي تطوّرت في القرون الأخيرة السابقة. دعني أعطي بعض الأمثلة لتوضيح الفكرة، لأن الثقافة الرسمية الأدبية/الأخلاقية التي نشأت عليها قد عطّلت قدرتك على الرؤية الموضوعية للواقع الحقيقي للحياة من حولك. يُعتبر التمويه المخادع Camouflage عاملاً جوهرياً لدى كافة الكائنات، إن كانت مُفترسة أو طريدة. حتى أن الأزهار تطلق روائح وتظهر ألواناً تعمل على تفعيل الغريزة الجنسية لدى بعض الحشرات، وكل ذلك من أجل استخدامها لنقل حبات الطلع وبالتالي إكمال عملية الإخصاب بين أجناسها. الكلاب تنبح بشراسة وتتظاهر بالهجوم على الأعداء، مع أنها في الحقيقة مرعوبة منهم. أما النبتة الآكلة للحشرات Venus Fly Trap، فعملها هو إغراء الحشرات وإغواءها إلى أن تقع في الشرك لتواجه الموت. أما الإنسان، فيدعي المثالية والتفاني تجاه الآخرين وحتى تجاه نفسه، مع أنه في الحقيقة يعمل بأنانية خبيثة لتحقيق المصلحة الفردية أولاً. إذا لازلت تشكّ بحقيقة أن الخداع هو عامل طبيعي موجود في كل مكان في الطبيعة، فوجب عليك إذاً قراءة المقطع الثالث من الفصل الأوّل من كتاب "روبرت أردري" Robert Ardrey الذي بعنوان "الاتفاقية الاجتماعية" The Social Contract، حيث ستجد عدد كبير من الأمثلة الجيدة. (طبعاً، رغم بصيرته الثاقبة التي تجلت في كشفه عن جوانب كثيرة من الطبيعة الحيوانية للإنسان، إلا أن الكاتب "أردري" فشل في استيعاب طريقة تطبيقها واستثمارها بين المجتمعات البشرية العصرية).

إن الجرأة العقلية وقدرة التواصل المميزة لدى الإنسان وفرت استمرارية مذهلة لهذه الطبيعة الحيوانية المتمثلة بالخداع لكنها تطوّرت لتتخذ شكل جديد: خداع الذات. يعتمد النظام التراتبي للحيوانات البدائية على الغش والتحايل والترهيب والاعتداء، وكل عضو في هذه المنظومة التراتبية يدرك جيداً موقعه في هذه المنظومة ويرضى به، لكن بشكل مؤقّت، لأن توقه يكون دائماً للأعلى. هذا التوق الغريزي للهيمنة والإخضاع لازال نشطاً في قلوب البشر. مع أن الخداع (الذي هو الوسيلة) قد تطوّر كثيراً لدى الإنسان. فلذلك نرى أنه ليس فقط التحايل والترهيب يُستخدم عند البشر بهدف تحقيق الهيمنة، بل تطوّرت وسيلة مخادعة أخرى، وهي التفاني (الغيرية altruism) وكذلك المؤسسات الجماعية تُستخدم كواجهات ظاهرية تخفي وراءها سيطرة مطلقة. بعكس المنظومة الحيوانية البدائية، فالمنظومة التراتبية البشرية لا يمكن أن تستمر إلا إذا كان الأعضاء واهمين بحيث يجهلون الطبيعة المهيمنة للمنظومة. ويصبح الأمر أفضل بكثير إذا كانوا يجهلون بوجود أي منظومة تراتبية أصلاً!


الحُكام المرئيين هم ضعفاء جداً. ومع ذلك، نرى كيف أن هؤلاء الحكام يُعتبرون أحياناً بأنهم ممثلون الله على الأرض، الخير المطلق، القوة المادية في التاريخ، الإرادة العامة للرعايا. مع أنه في الحقيقة، يُصرف الكثير من الاهتمام وتُبذل الجهود الكبيرة لتحريف الثقافة العامة، وحتى العلوم الفكرية، لتعمل على تقليل الحقد والحسد الذي يكنه المحكومون للحكام. يُعتبر تشجيع هذه الأوهام المخادعة بين الجماهير الواسعة من العوامل الرئيسية التي تتبعها الحكومات المرئية. لكن مهما كانت السياسات والإجراءات المُتبعة لتشديد وطأة الحكومات والقيادات المرئية، فهي لا تستطيع حماية نفسها أمام منظمات متطورة جداً تقودها النخبة العالمية في الخفاء (الحكومات السرّية)، وبكل تأكيد، فهي لا تمثّل شيئاً بالنسبة لرجال مثل والدك. كانت الإمبراطورية الرومانية مترفعة عن المساءلة من قبل رعاياها طوال قرون مديدة، لكن مع ذلك، كان الأباطرة الرومان يعيشون في حالة رعب دائم من خطر الانقلاب أو حتى الاغتيال.


من خلال إتباع سياسة الخداع والحزم وفي كافة المستويات، استطاعت الرأسمالية المتمولة، المسيطرة عن طريق المال، أن تصمّم منظومة كاملة متكاملة بحيث لم يشهدها التاريخ من قبل، بهدف ضمان النفوذ المطلق واستمرارية السيطرة حتى النهاية. إن رجال مثل والدك، الأسياد الخفيون للرأسمالية المصرفية، يحكمون الذين يحكمون، والذين ينتجون، والذين يفكرون، كل ذلك من خلال قيود وسلاسل مالية خفية ممثلة بإجراءات وعمليات معيّنة سوف تتعرف عليها لاحقاً وبالتتابع من خلال زملائي. لقد تم تحقيق الهيمنة الكاملة للمجتمع، لكن بطريقة سرّية وغير مُدركة، بينما لازال مُعظم الجماهير الخاضعة للسيطرة، وحتى القيادات والزعامات الدولية، يعتقدون بأنهم مستقلون أو أحرار. لازال الجميع تقريباً يظنّ بأن القرارات المصيرية الكبرى تُتخذ كنتيجة لأحداث عفوية تولّد ضغوطاً معيّنة في مجالات مثل التجارة والأعمال، الحكومة، المستهلكين، الطبقات الاجتماعية، وغيرها من مصالح وشرائح أخرى. وفي الحقيقة، فإن المساحة الممنوحة لنشاط القوى الاجتماعية المختلفة قد تم موازنتها بحذر من قبلنا، بحيث عندما يحصل حركة اجتماعية معيّنة لا بد من أن تكون جهة حركتها من اختيارنا. العائق الوحيد الذي يمكن أن نواجهه، والذي يمكن أن يكون له أثر كبير، هو حصول تدخّل من قبل عائلات رأسمالية نافذة منافسة لنا. هذه المسألة المُحرجة والحرجة بنفس الوقت سوف لن تكون موضوعنا الرئيسي في الوقت الحالي. 



سوف أسلّم الأمر للبروفيسور Q الذي سيشرح الأسرار المركزية الكامنة وراء القوة المالية الهائلة لوالدك.
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف خديجة في الأحد يوليو 10, 2016 12:02 am

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


موضوع في غاية الأهميه  ويجعلنا نشعر بالخطر
ونعلم أنها حرب ولكن من نوع أخر
فبدلاَ من موت الجنود يموت الأطفال
وبدلاً من ملايين جرحى هنالك ملايين العاطلين عن العمل( انظر للشباب العاطل )
و بدلاً من هدم المدن  هناك تدمير للمصانع والمدارس
**
البروفيسور A
حول دور الخداع في الطبيعة
يقول أحد المسيطرين

"يجب على الذين يرغبون في الحكم أن يلجؤوا إلى الدسائس والخداع والتلفيق لأن الفضائل الاجتماعية الكبرى كالصدق والاستقامة ما هي إلا عيوب كبرى في السياسة".


avatar
خديجة

عدد المساهمات : 2017
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في الإثنين يوليو 11, 2016 3:22 pm

جزاك الله خيرا أختي خديجة على الاضافة القيمة ، فكبار المتحكمين كل شيء عندهم معكوس ومقلوب سواء التصورات أو المفاهيم أو المعتقدات نتيجة تبدل وتغير قلوبهم لما أتبعوا الشيطان فأظلهم عن السبيل  ..


 والغريب أنهم يستمدون قوتهم في التحكم والسيطرة من النظر والتأمل في الطبيعة فهي معلمتهم الأولى ليس في الخير ولكن في الشر ، لأنها محل يجمع المتناقضات يمكن أن يتزود منها الحكيم والشرير سواء في إكتساب المنهج أوالمعرفة ، لكن كل حسب نظرته ونيته ، وبما أن نظرة المتحكـــــــمين أحادية النظر عوراء كسيدهم الأعور فهم لا يرون سوى الجانب المادي في كل شيء ولا يعيرون أية إهتمام بالجانب الروحي والأخلاقي الذي هو بالنسبة لهم عيب من عيوب الضعفاء المتحكم فيهم .. فلا ريب إذن من كانت هذه نفسيته ونظرته الفارغة من كل نور، أن يرى في دفاع الحيوانات عن نفسها أو إبتكارها لطرق كسب العيش نوع من الخداع الذي ينبغي السير على منواله لتحقيق المصالح الدنيوية والجلوس على رأس هرم السيطرة  .. فماذا علينا أن نقول لمن كانت الحيوانات هي أسوته وقدوته في الحياة .. 
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في الإثنين يوليو 11, 2016 3:29 pm

البروفيسور Q

عن المعرفة السرّية كمفتاح للقوة

ON OCCULT KNOWLEDGE AS THE KEY TO POWER



على مدى التاريخ، برزت النخبة الحاكمة بالاستناد على المعارف السرّية (أو السحرية) التي كانت بحوزتها والمحروسة بعناية من قبلها. كانت قوة هذه النخبة الحاكمة، أو المجموعة الكهنوتية إذا صحّ التعبير، تتقلّص مباشرة بعد أن تتحوّل معارفهم السرّية إلى "علوم" تُدرّس للنخب المثقفة. وكانت هذه القوة تتلاشى وتختفي تماماً بعد أن تصبح تلك المعارف السرّية "منطقاً مألوفاً" أو معلومات عامة يألفها الجميع.

قبل الدخول إلى الطقوس الخفية للرأسمالية المصرفية، سوف نلقي نظرة سريعة على تاريخ استخدام أجدادنا المسيطرون للمعرفة السرية في حكم الشعوب. في الحقيقة، هذا الموضوع يتطلّب مساحة كبيرة جداً لكنني سأبسّط الأمر من خلال مثال واحد وهو استخدام علم الفلك الذي كان يمثّل إحدى أقدم المعارف السرية للنخبة الحاكمة عبر التاريخ.

بعد تخلي البشرية عن حياة التنقّل وصيد الطرائد، استقرّت في مستوطنات دائمة لتبدأ الحياة الزراعية. ومن أجل تيسير أمورهم الزراعية، وجب أن يتنبؤا بالمواعيد المناسبة لكافة تفاصيل هذه المهنة الجديدة التي اتبعوها. كانت هذه المعرفة ضرورية من أجل تحديد موعد الفلاحة، وموعد الزراعة وموعد الفيضانات في الوديان الخصبة، وموعد المواسم الممطرة،... وهكذا. ففي غياب الروزنامة الفلكية، كان الفلاحون يستنزفون شهوراً طويلة من العمل المضني وأحياناً كثيرة كانت جهودهم تذهب هباءً. وهذا مثال على الحالات التي يقوم أجدانا باستغلالها بشكل حاسم ومناسب. لقد أصبح لعلماء الفلك بضاعة ثمينة للبيع، وقد استخدموها لاستغلال الرعايا البائسين إلى أقصى الحدود. لقد أقنع الفلكيون (الكهنة)، الحاجبين لهذه المعرفة السرّية عن الجميع، الرعايا البائسين بأنهم الوحيدون الذين يستطيعون التواصل مع الآلهة، وبالتالي، هم الوحيدون الذين يمكنهم ضمان العودة الدورية للمواسم الزراعية الجيدة وتوفير الأجواء المناسبة التي تنتج المحاصيل الفائضة. أما قدرتهم على التنبؤ بمواعيد الكسوف والخسوف للشمس والقمر مثلاً، والتي قدموها على شكل مسرحيات يتظاهرون خلالها بأنهم يطلبون من الآلهة إخفاء الشمس أو القمر، فقد أثبتت تأثيرها في عملية إخضاع الرعايا الجاهلة لسلطتهم المقدّسة التي تباركها الآلهة. أما نجاحهم الحاسم، فكان في تأثيرهم على كافة جوانب حياة الرعايا، حيث أصبحوا يحددون المواعيد المناسبة لكل شيء، ويتم استشارتهم بكل شيء، وبالتالي، أصبح مصير الجميع في أيدي هذه المجموعة الكهنوتية الصغيرة التي لم تكن تملك سوى بضعة جداول سرية تحتوي على مواعيد فلكية متعلقة بعدة جوانب من نشاطات الطبيعة. اليوم مثلاً، لازال عيد الميلاد Christmas يمثّل أقدم تقليد شعبي عرفه التاريخ، هذا التقليد لم يكن يمثّل عيد مولد المسيح، بل وجده الكهنة أصلاً للاحتفال بإحدى المواقع الفلكية التي تتخذها الشمس. كانوا يقيمون الطقوس السحرية، بحجة التخاطب مع الآلهة، طالبين عودة الشمس التي ماتت (في موعد الانقلاب الشمسي الشتوي) في 22 كانون أوّل، وبعد ثلاثة أيام (أي في 25 كانون الأول)، كانت الشمس تعود من جديد (تخلق من جديد)، وبعدها يقيم الرعايا احتفالات صاخبة لهذه المناسبة المباركة وابتهاجاً بنجاح الكهنة في استعادة الشمس. ولازال الناس يحتفلون بهذه المناسبة حتى اليوم، لكن تحت مسميات مختلفة ووفق طقوس دينية مختلفة .

أي معرفة شعبية عن الطبيعة الفلكية للفصول والمواسم تظهر في مكان ما خارج دائرة سيطرة الكهنة كانت تتعرّض فوراً للقمع الحاسم والجذري. وقد ظهر التحريم والتكفير منذ تلك الأيام، حيث اعتُبر أي خروج عن سلطة الكهنة خروجاً عن طاعة الآلهة، وبالتالي فإن مجرّد تهمة أحدهم بأنه كافراً مهرطقاً يكفي لأن تجعل حياته مُباحة  ولابد من أن يواجه مصيره البائس على يد أحد الرعايا المتعصبين في أي وقت وأي مكان.

خلال حصول أي خطأ أو فشل في التنبؤ الفلكي من قبل الكهنة، كان اللوم يقع على الخطايا التي يقترفها الرعايا، وبالتالي، وجب أن يتحملوا عقاب الآلهة. كانت هذه الحجة تُستخدم أيضاً لتبرير عمليات القمع المُكثّفة التي قام بها الكهنة لتقوية نفوذهم وسلطانهم. لمدة قرون طويلة، كان الناس الذين لم يكن لديهم أي فكرة عن عدد الأيام التي تفصل بين المواسم والمواعيد الدورية، حتى أنهم كانوا يعجزون عن التعداد أصلاً، يقدمون العطايا والقرابين بكل سرور للكهنة المقدسين، وبالإضافة إلى إهداء أجمل بناتهم، تعبيراً عن شكرهم وامتنانهم لهذه النخبة المباركة.

إن قوة طقوسنا التمويلية/الرأسمالية/المصرفية تستند على معرفة سرّية مشابهة تماماً، خاصة في مجال الاقتصاد. هذه القوة سوف تضعف، وحتى تتلاشى، إذا حصل تقدم حقيقي في علم الاقتصاد، لكن لحسن الحظ، فإن أغلبية الناس ومعظم القيادات الثورية هي جاهلة تماماً في مجال الاقتصاد. ومع ذلك، كنا، نحن الأباطرة الماليين النافذين، ولازلنا، ننجح في تمديد فترة سيطرتنا الاقتصادية، وحتى إعادة إنعاشها من جديد، عبر الإفساد المُمنهج لعلم الاقتصاد عن طريق حقنه بتعاليم مُخادعة ومزيّفة. فمن خلال نفوذنا في المؤسسات التعليمية، والإعلامية، ومجال الطباعة والنشر، تمكنا من دعم ومكافأة الأساتذة والمفكرين المنافقين، لكنهم أوفياء لنا، والذين كانت تعاليمهم المُلفّقة تُفرض قسراً على السياسات الحكومية ومؤسساتها تحت العنوان الوطني الكبير المتمثّل بـ"المصلحة العامة" أو "الحل المناسب للأزمة الحالية"، ثم تأخذ بها المؤسسات الدستورية، ثم تتحوّل إلى إجراءات تطبيقية على الأرض الواقع، وهذا التجديد الدوري في علم الاقتصاد يساهم في زيادة عمر إمبراطورياتنا المالية حتى إشعار آخر.

تُعتبر النظرية الكينزية Keynesianism (نظرية اقتصادية أوجدها جون منيارد كينز) من أكبر البرامج الاقتصادية خداعاً وتضليلاً التي تم تصميمها وتطويرها لصالحنا. إن الاقتصاد المختلط، المركزي جداً، الذي رسخه اللورد "كينز" بحجة تعزيز الازدهار يحمل كل الخواص والميزات المطلوبة لجعل سيطرتنا منيعة جداً ضد الغريمين اللدودين:  المنافسة الحرة الحقيقية في الحلبة الاقتصادية،  العملية الديمقراطية الحقيقية في الحلبة السياسية. إن المبادئ الاقتصادية الكلاسيكية المتمثلة بـ"السوق الحرّة" free market، و"عدم التدخّل الحكومي في الشؤون الاقتصادية الفردية والجماعية" Laissez-faire، كانت تمثّل محاولاتنا الأولى لإفساد علم الاقتصاد. لقد ساهمت حبكتها المتماسكة في إعماء الاقتصاديين لسنوات طويلة، مع أنها في الحقيقة ليس لها أي صلة بالواقع الحقيقي. لكن في جميع الأحوال، لقد أصبحنا أقوياء جداً اليوم لدرجة أنه لم يعد من الممكن إخفاء مؤسساتنا المهيبة وراء المظهر المخادع المُسمى بـ"المنافسة الحرّة".

ما تفعله النظرية الكينزية Keynesianism هو أنها تُعقلن (تجعله معقولاً) حالة "القدرة المطلقة" التي نظهرها، بينما تحافظ بنفس الوقت على امتيازات الملكية الخاصة والتي تعتمد عليها قوتنا بشكل أساسي. رغم أن الإصلاحات المؤقتة التي سوّق لها كارل ماركس في البيان الشيوعي Communist Manifesto، مثل المصرفية المركزية، ضريبة الدخل، وغيرها من إجراءات ذات طبيعة سلطوية مركزية، قد صًممت أصلاً لأن تكون قابلة للإفساد والتحريف من قبلنا ولصالحنا، إلا أننا لم نعد نسمح بظهور حركات ماركسية نافذة في الدول المتقدمة. لقد أصبحت مؤسسات السيطرة لدينا جاهزة للعمل ولم يعد هناك حاجة لنشر هذه الأيديولوجيا أكثر من الحدود التي توقفت عندها. صحيح أن الشيوعية قد صُممت أصلاً من قبل الرأسمالية العالمية، إلا أنها تمثّل جهاز خطير جداً وبالتالي وجب التعامل معه بحذر شديد، لأن ظهور خطوات حقيقية نحو تحقيق الشيوعية بشكل فعلي وسليم قد يؤدي إلى نهايتنا حتماً. وطبعاً، فالشيوعية المزيّفة هي هدفنا المنشود، حيث تمثّل حجاب أيديولوجي ممتاز لإخفاء الدكتاتوريات الخاضعة لنا تماماً في الدول النامية والمتقدمة على حدٍ سواء.

وبالإضافة، فإن قوة أسياد المال تستند على المعرفة السرّية في مجال السياسة والتاريخ أيضاً. كما أننا نجحنا في إفساد هذه العلوم. صحيح أن الكثير من الناس أصبحوا يألفون أسرارنا من خلال قراءة كتب منشورة مثل كتاب "1984" لمؤلفه المتحرر "جورج أورويل"، لكن القليلون فقط يأخذون هذه المعلومات على محمل الجد، وعادةً ما يستبعدون هذه الأفكار بصفتها نوع من البارانويا. بما أن الجوهر الحقيقي للسياسة مبني على اجتهادات ومصالح فردية، فبالتالي، التاريخ الحقيقي هو عبارة عن صراع لنيل السلطة والنفوذ والثروة. لكننا نبذل كل ما عندنا لتحريف وإخفاء هذه الحقيقة الواضحة جداً، ذلك من خلال تسويق وتكريس النظرية القائلة بأن التاريخ يُصنع من صراعات فكرية محقّة وموضوعية وليست فردية، أي صراع أنظمة سياسية، أيديولوجيات، أديان، طبقات اجتماعية، أعراق.. وهكذا. من خلال الاختراق المنظّم لكافة المنظمات الكبرى، إن كانت فكرية، سياسية، أو أيديولوجية، أو دينية، مستخدمين الدعم المالي والإعلامي الهائل، استطعنا قولبة التوجه الفكري العام، مهما كان توجهه وأيديولوجيته، ليتماشى مع مصالحنا ومتطلباتنا الخاصة.

نحن الذين خلقنا دائرة الصراع السياسي بين اليمين واليسار. وفي الحقيقة، هذا الصراع يعكس طريقة عبقرية لاستقطاب الجماهير وجعلهم يوجهون انتباههم واهتماماتهم إلى مسائل مزيّفة بعيدة كل البعد عن المشكلة الحقيقية في هذا العالم وهي نفوذنا المالي الهائل في كافة جوانب الحياة البشرية، وبهذه الطريقة سنبقى في منأى عن الصراع وبعيدون كل البعد عن الاستهداف المباشر من قبل العقول الثائرة والمتمرّدة.

الفكر اليساري يدعم الحريات المدنية ويعارض الحريات الاقتصادية والتجارية. بينما الفكر اليميني يدعم الحريات الاقتصادية والتجارية ويعارض الحريات المدنية. وطبعاً، لا يمكن لأي من هذه الحريات التي ينادي بها الطرفين أن تتحقق دون الأخرى، وهذا هو هدفنا أصلاً من إنشاء حركتين تناديان بأهداف ناقصة. نتحكم بصراع اليمين/اليسار بحيث يبقى شكلي الحريات اللذان ينادي بهما الطرفان مقموعان بدرجات معيّنة نحددها نحن. أما حريتنا نحن، فلا تستند على الحقوق القانونية والمعنوية التي تُقرّ جهاراً لصالحنا، بل نستمد حرّية تصرفنا من خلال سيطرتنا على البيروقراطية الحكومية وكذلك المحاكم التي تطبّق، وبكل سرور، القوانين المعقّدة التي كانت من تصميمنا أساساً ولازالت الجماهير مخدوعة بعدالتها وأنها وجدت للمصلحة العامة.

الصراعات الفارغة العديدة التي تهدف فقط إلى تحريف انتباه الجماهير عن عملياتنا السرية تجد أرضاً خصبة في الخصومة المحتدمة بين اليمين واليسار. فهناك مسائل كثيرة لا يتفق عليها هذان التياران السياسيان، مثل السياسات العنصرية والعرقية، معاملة المجرمين، تطبيق القوانين، الجوانب الإباحية، السياسات الخارجية، حقوق المرأة، الرقابة... وهذه ليست سوى عينات بسيطة جداً بالمقارنة مع مسائل أخرى معقدة ومتداخلة. رغم أن الرقابة المفروضة "باسم العدل والإنصاف" قد أثبتت جدواها لصالحنا في مجال الإعلان، لكننا لا نصطف مع أي من الطرفين (اليمين/يسار) المتنازعين إعلامياً حول مسألة معيّنة. بل بالعكس، نعمل على تمديد فترة هذا النزاع من خلال دعم الجانبين معاً، لكن ضمن حدود معيّنة بحيث تبقي الأمر قابل للسيطرة.

الحرب، طبعاً وبكل تأكيد، هو أكبر مصدر لإلهاء الجماهير وبالإضافة إلى أنه أهم مصدر حيوي لإنعاش منظومتنا المالية. توفّر لنا الحروب غطاءاً ممتازاً يتمثّل بـ"أزمات وحالات طوارئ" تخفي وراءها برامج وإجراءات تعمل على تعزيز قوتنا ونفوذنا. بما أن الحروب النووية أثبتت عدم جدواها بالنسبة لنا بعد تقييم نتائج الانفجار السابق في اليابان، أبقينا هذه المسألة كمصدر للرعب فقط، وبدأنا بالتركيز أكثر على إطلاق "أزمات اقتصادية"، و"حالات نقص في مصادر الطاقة"، و"حالات هوس في الشؤون البيئية"، ثم ندير المسرحيات السياسية لملء الفراغ. ومع ذلك كله، فلازالت الحروب المحتدمة، رغم أنها قصيرة الأمد وتنشب على أسباب فارغة، تبقى حيوية جداً بالنسبة لنا.

نعمل على تعزيز نظام مزوّر يمثّل سوق منافسة حرة في بلاد حكم اليمين، وبالمقابل، نكرّس نظام مزوّر يتمثّل بديمقراطية اشتراكية في بلاد حكم اليسار. وبالتالي يصبح لدينا نظام "سوق منافسة حرة" والذي تكون المنافسة فيه مضبوطة ومُعدلّة من قبل البيروقراطية الحكومية التي نتحكم بها. وعلى الجانب الآخر، لدينا مؤسسات اقتصادية مؤممة، ورغم مظهرها الحكومي الصارم، إلا أنها تقع تحت سيطرتنا تماماً. وبهذا، نبقي على مجتمعات بشرية تكون فيها قواعد قوتنا في أمان. أما النظام الديمقراطي الحرّ، فهو ضعيف جداً أمام نفوذنا المالي. فنحن الذين نختار المرشّحين من الأحزاب الرئيسية المتنافسة، ونحن الذين نختار الفائزين. إن كل حملة إصلاحية تُشنّ في البلد تكون من إنتاجنا، والإصلاحات التي ينخدع بها المواطنون قد صممت أصلاً لزيادة نفوذنا.

أما التوتاليتاريات المختلفة المتخذة للمظهر الشيوعي أو الفاشي، فهي لا تمثّل أي خطر علينا طالما أننا نملك فيها معاقل من الملكية الخاصة والتي تخدم كمراكز عمليات لنا. فهذه الحكومات التوتاليتارية، إن كانت يمينية أو يسارية، قابلة للتحكم بسهولة من الخارج، ذلك بسبب هشاشة زعماءها المرئيين بالنسبة للأحزاب المنافسة لهم. الأمر الأهم هو أن هذه الدكتاتوريات تساعدنا على منع ظهور أي أباطرة ماليين يمكن أن يمثلوا تهديداً مباشراً لنفوذنا في أي قارة وأي حضارة وأي عرق بشري.

ربما علي توضيح مسألة الأيديولوجيا في عدة سطور قبل أن أنتهي. إن الأيديولوجية الوحيدة المجدية والأكثر واقعية هي طبعاً وبكل تأكيد: الأنانية العقلانية rational egoism، أي العمل على إشباع الرغبات والحاجات الفردية إلى أقصى حد وبأي وسيلة تثبت جدواها. وهذا يتطلّب القوة على الطبيعة، خاصة، إذا أمكن، القوة على البشر.. الذين يمثلون الأدوات الأكثر نفعاً وبراعة. لحسن الحظ، ليس هناك مجتمعات يكثر فيها الأنانيون المحبين لذاتهم. فمن المستحيل ظهور أباطرة المال في هكذا مجتمعات، حيث أن عملائنا المثقفون والأكاديميون والقانونيون والدينيون وغيرهم من الذين يعقلنون أو يبررون سيطرتنا على المجتمعات من خلال تعاليم ومعلومات مخادعة ومظللة سيتحولون إلى مسخرة وأضحوكة لا تؤخذ على محمل الجد. وفي هذه الظروف، ليس هناك أي بديل سوى نظام يعتمد على مبدأ "عشّ ودع غيرك يعيش"، أو يتحوّل المبدأ العامل بـ"عدم التدخّل الحكومي في الشؤون الاقتصادية الفردية والجماعية" Laissez-faire إلى واقع حقيقي وليس مزيفاً كما هو اليوم، وبالتالي لا بد من أن تسود الفوضى العارمة بين المجتمعات الفوضوية أصلاً. وبالإضافة إلى ذلك، فسوف يصبح من الصعب المحافظة على النظام التراتبي الهرمي باستخدام القوة فقط. فالقوة وحدها في هذه الحالة تزيد من الفوضى أكثر من إخمادها.

لكن في هذا الوضع الراهن، حيث لازالت العقول مخمورة بالتعاليم والأفكار التي تكرّس التفاني والغيرية والمثالية وحب الجماعة وغيرها من مبادئ واهية يكرسها عملائنا الدينيين والأخلاقيين الأكاديميين، فالسياسة العقلانية الوحيدة التي وجب على الأنانيين إتباعها هو استثمار هؤلاء المرشدين الدينيين والأكاديميين الواهمين بهدف التحكم بالآخرين. 



المتحدث التالي، البروفيسور M، سيشرح تفاصيل المؤسسة الرئيسية التي تستند عليها قوتنا
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في الخميس يوليو 14, 2016 4:31 pm

البروفيسور M

عن اقتصاديات البنك المركزي

ON THE ECONOMICS OF CENTRAL BANKING




بما أنك حائز على شهادة دكتوراه في علم الاقتصاد من أعظم الجامعات في العالم، سوف أتطرّق بسرعة، وبقدر ما تسمح لي مساحة الإسهاب هنا، إلى حقائق مقبولة ومألوفة في علم الاقتصاد الرسمي، ثم أدخل إلى الموضوع الأهم وهو المظاهر الخفية للمصرفية المركزية CENTRAL BANKING.

بما أن توزيع العمل (مِهن وحِرف مختلفة) يمثّل المفتاح لكافة الإنجازات البشرية وسد حاجاتها، فمن الضروري وجود نظام تبادل للمنتجات والخدمات المختلفة، خاصة بعد أن أثبت نظام مقايضة السِلع (المعقدّ) عدم جدواه، كما أن اقتصاداً حاكماً حيث كل فرد يعمل ويتلقى ما أُمر به، أثبت عدم واقعيته إطلاقاً لأنه فشل في الاستفادة من المبادرات والمواهب الفردية المميزة. وأخيراً، جاء الوسيط البديل للمقايضة، وهو المال، كحل مناسب جداً. (حتى أن الاقتصاديات الأكثر مركزية، أي على الطريقة الاشتراكية، تتحمّس للمال وتعتبره الوسيلة الأبسط، وحتى الأكثر ضرورية، في مزاولة التخطيط الاقتصادي بنجاح).

حتى في الحالة الطبيعية، عندما تستقرّ مجموعة بشرية في مساحة جغرافية معيّنة، يتفق أفرادها بشكل تلقائي على سلعة ثمينة ثابتة، غالباً ما تمثّل الذهب أو الفضة، لاستخدامها كوسيط لمقايضة السلع فيما بينهم. ومن هنا جاء مفهوم المال. ولأن هذا المال يحوز على قيمة معيّنة، بالإضافة إلى كونه يمثّل وسيط للتبادل التجاري، راح الناس يدخرون جزءاً من مدخول الذهب لديهم بدلاً من صرفه بالكامل. وعندما يتراكم بكميات كبيرة عند الشخص، غالباً ما كان هذا الذهب يُدّخر في مخازن (أقبية مجهّزة جيداً للحماية) الصائغ (صانع الأدوات والحُلي الذهبية)، وهو السلف الأوّل للمصرفي العصري، ذلك من أجل التأمين عليها من النهب أو الضياع. كان المودعين يستلمون "وصل أمانة" receipt يضمن له استرداد ذات الكمية والجودة من الذهب عندما يطلبه من الصائغ.  

في مرحلة معيّنة، أدرك الصائغ بأنه ما من سبب يمنعه من إقراض بعض من الذهب المودع لديه مقابل فائدة طالما أبقى على كمية معيّنة من مخزون الذهب متوفراً لديه بحيث يغطّي نسبة طلبات الاستردادات التي يجريها أصحاب الودائع الحقيقيين. وفي الواقع، كان بكل بساطة يوعد كل مودع بأنه سيدفع على الموعد، رغم أنه لا يملك مدخرات تغطي كافة وعوده لكافة المودعين. والأمر الأفضل الذي اكتشفه مع الوقت، هو أنه يستطيع إصدار كميات كبيرة من "وصول الاستلام" receipts مقابل الذهب بحيث تكون قيمتها النقدية أكبر من الذهب الموجود لديه أصلاً. ووصول الاستلام هذه، التي هي عبارة عن أوراق عادية مكتوب عليها كلام فارغ، يمكن مداولتها بحريّة بين العامة بصفتها مالاً ذات قيمة نقدية حقيقية.

ولكن في النهاية اكتشف الصائغ بأن هناك حدوداً معيّنة لهذه العملية التي اتبعها. فليس كل سندات الاستلام التي أصدرها تستمر في التداول بين العامة إلى الأبد. لقد بدأ معدل طلبات استرجاع المدخرات الذهبية يزداد باطراد بعدما تقع تلك السندات في يد أشخاص لا يؤمنون بالسمعة الحسنة التي يتمتع بها الصائغ. والأمر يزداد سوءاً عندما تقع تلك السندات في أيدي صائغين منافسين للصائغ الأوّل وطامعين بمدخراته من الذهب. لكي يتجنّب الكارثة المتمثلة بنفاذ كامل مدخراته من الذهب، تعلّم الصائغ، من خلال الخبرة المريرة، أنه وجب إبقاء تداول سندات الأمانة التي يصدرها ضمن نطاق محدود. ومع ذلك، كانت القوة التي تجسّدها عملية إصدار سندات الأمانة الخالية من الرصيد إغراءاً كبيراً لا يمكن مقاومته. خاصة بعد أن جعلت للصائغين الدائنين لهذه السندات نفوذاً هائلاً على الحكومات، والصناعيين، والتجار. الكثير من الصائغين استسلموا بشكل غير عقلاني للإغراء، فتمادوا كثيراً بهذه العملية (إدانة السندات دون رصيد) فجلبوا لنفسهم وللمودعين عندهم الدمار الكامل، بينما الآخرون الذين كانوا يجرون عملية الدين هذه ببطء وتعقّل، ووفق سياسات حكيمة بعيدة النظر، أصبحوا مصرفيين أثرياء ونافذين جداً.

عند هذه النقطة، ووفق علم الاقتصاد الرسمي، يمكن اعتبار "المصرف المركزي" مؤسسة وُجدت أساساً لحماية العامة من الكوارث المالية الدورية التي يسببها المصرفيين المودعين المجردين من الضمير، والمبعثرين دون تنظيم في كافة أنحاء البلد. مع انه في الحقيقة، هذا التعريف الرسمي للمصرف المركزي هو بعيد جداً عن الواقع الحقيقي. لقد وُجد المصرف المركزي أصلاً من أجل إزالة الحدود التي تحد من تداول السندات الخالية من الرصيد، والتي واجه المصرفيون الصغار (الصائغ) مشكلة في تجاوزها. منذ أيام حضارة بابل والحضارة الهندية القديمة، تم إنشاء "المصرف المركزي"، الذي يعتمد أساساً على فن التحكم بإصدار الأموال، وتطوّر هذا الصرح إلى مستويات راقية جداً بحيث اتبع الكهنة (المصرفيون) سياسات ذكية جداً لنهب الناس دون أي معرفة أو إدراك منهم بذلك. وحتى اليوم، لازال الكثير من المصرفيين العصريين يتبعون التقاليد ذاتها التي اتبعها الكهنة المصرفيون في تلك العصور الغابرة، لدرجة أنهم بنوا مصارفهم الحديثة لتظهر على شكل معابد مشابهة لتلك التي كانت قائمة في ذلك الزمن البعيد! إن مظهر التحصين المنيع للمصرف المركزي يشكّل جزءاً أساسياً من الخداع الذي تستند عليه النخب المالية النافذة.

دعونا ننظر إلى الطريقة التي يتأسس من خلالها مصرفاً مركزياً في بلد جديد لم يشهد مثل هذه المؤسسة المالية سابقاً. نتقدم نحن المصرفيون من الأمير أو النخبة الحاكمة (ومهما كان نوع الحكام، فجميعهم بحاجة دائمة للمال لتمويل صراعاتهم وحروبهم، أو إرضاء شعوبهم بإصلاحات آنية، وجميعهم بشكل عام جاهلون تماماً في علم الاقتصاد)، نقترح عليه ما يلي: "..امنح مصرفنا امتيازات حصرية على المستوى الوطني من أجل ضبط وتنظيم معاملات المصارف الخاصة في البلاد، ذلك عن طريق السماح لنا بإصدار سندات مالية قانونية مفروضة على الجميع، أي، اجعل سنداتنا مفروضة قسراً على سوق التداول بحيث تُقبل كسندات مالية قابلة لأن تُستخدم لسد الديون، العامة والرسمية. وفي المقابل، سوف نزوّد الحكومة كل السندات التي تتطلبها، مقابل فوائد معيّنة سهلة الدفع من خلال الضرائب المُستحقة التي تجمعها الحكومة. إن ازدياد القوة الشرائية للحكومة، بعد تعاقدها مع مصرفنا المركزي، سوف يزيد حتماً من قوة هذه الدولة (المزعزعة سابقاً) وهيبتها، كما أن هذا الوضع ينشّط اقتصادها المتثاقل والمكسور أصلاً، فيرفعها إلى حالات ازدهار غير مسبوقة. والأمر الأكثر أهمية هو أن حالات الذعر العنيفة التي تسببها المصارف الصغيرة من خلال الانهيارات المالية التي تنتجها بشكل دوري في البلاد، سوف يتم استبدالها بمصارفنا العادلة وأموالنا النظيفة التي تخضع لإدارة علمية وراكزة. وسيبقى خبرائنا "الميالون لخدمة المصلحة العامة أولاً" في خدمة الدولة وتحت تصرفها، بينما نحن نبقى مستقلون إلى حد ما من أي ضغوط سياسية آنية تفرض علينا سياسات إدارية معيّنة.."

لبعض الوقت، يبدو بأن هذا النظام يسير بشكل جيد جداً، حيث ازدهرت البلاد وتوفرت فرص العمل للجميع. لكن الحكومة وعامة الشعب لا يفطنون أبداً إلى أننا، الذين أصدرنا السندات المالية الجديدة، نستخدم هذه السندات الزائفة المخلوقة من لا شيء، لقيامنا، وبشكل سرّي، ببناء إمبراطوريات اقتصادية على حساب الفوائد المالية الملموسة (أي لها قيمة حقيقية) المُستبدلة بالديون الممنوحة على شكل سندات مزيّفة (ليس لها أي قيمة). وبسبب القوانين الصادرة من الحكومة والتي تفرض على السوق التعامل بسنداتنا المالية حصراً، فبالتالي، القليل من هذه السندات التي يصدرها المصرف المركزي تُسترجع إليه طلباً باستبدالها بقيمتها من الذهب. وفي الحقيقة، قد تبدأ كافة المصارف الخاصة المحلية، وحتى بعض المصارف الخارجية، باستخدام السندات الصادرة من المصرف المركزي كودائع مالية لها قيمة حقيقية، وبالتالي تبدأ بإصدار سندات أمانة تستند على مخزونها من سندات المصرف المركزي وليس الذهب. لكن رغم ذلك، وبعد فترة من الوقت، تبدأ الأسعار بالارتفاع لأن إصدار السندات الزائدة ترفع معدل الطلب المتعلق بكمية السلع والخدمات. مع انخفاض قيمة مدخراتهم أكثر وأكثر، يبدأ الأجانب (المودعين من خارج البلاد) بشكل أخص، بالتساؤل عن قيمة السندات التي يصدرها المصرف المركزي ومن ثم يباشروا فوراً بطلب استعادة المدخرات الذهبية التي تمثّل قيمة هذه السندات. نحن طبعاً لا نتحمّل مسؤولية هذا التضخّم المالي الهائج عند حصوله. فنحمّل المسؤولية على المضاربين الأشرار الذين يرفعون الأسعار لغاياتهم الشخصية، وبالإضافة إلى رمي المسؤولية على الشريحة العمالية المنظّمة (الاتحادات عمالية) وكذلك على أصحاب المؤسسات والمنشآت التجارية/الصناعية الذين أساءوا التحكم بمعدلات الرواتب وأسعار المنتجات والخدمات. حتى المستهلك يُجعل مذنباً لأنه قبل بالأسعار المرتفعة دون أي شكوى! خلال حالة الإرباك والفوضى التي تصيب الحكومة اليائسة، تقبل بالتحاليل الزائفة التي يقدمها خبرائنا المصرفيون لهذه المسألة الطارئة، فتستمر في منح المصرف حرية التحكم والتصرّف بالسياسة المالية للبلاد أملاً بإصلاح الوضع.

من خلال إبطاء معدل إصدار السندات دورياً، يمكن حينها تأجيل المرحلة القصوى للأزمة المالية لفترة عشرات السنين بعد منح المصرف المركزي امتياز الحكومة لحصرية استخدام سنداته المالية. قبل النفاذ السريع لمخزون الذهب الذي يعتمد عليه مصرفنا لنيل الثقة، نقوم فوراً بتقليص حجم قروضنا الممنوحة للصناعات الخاصة وكذلك للحكومة. ونتيجة لهذا التقليص في إمداد المال، تتجسّد حالة إنكماش كُبرى ويحصل الانهيار الكبير بكل ما يلازمه من حالات بطالة، إفلاس، وبلبلة شعبية عارمة. وفي هذه الحالة أيضاً، نحن لا نتحمّل مسؤولية هذه النكبة الاقتصادية الحاصلة. فنلقي اللوم على المحتكرين الذين يرفضون صرف أموالهم، وكذلك على أنبياء الشؤم الذين يخرّبون الثقة التجارية والأعمال. وكما هي الحال دائماً، تتقبل الحكومة هذه التحليلات التي يقدمها خبرائنا المصرفيين وتستمر في إبقاء السياسة المالية بين أيدينا الأمينة والحكيمة. وإذا سارت الأمور جيداً فيما بعد، نبدأ (نحن المصرفيون) بنفخ الأفكار المتمرّدة والثائرة في أوساط الحركات الشعبية العميلة لنا وبالإضافة إلى مجموعات الضغط الخاضعة لسيطرتنا، فتطلق هذه الحركات انتفاضة كبيرة غالباً ما تتخذ مظهر جماهيري عارم، حيث تدفع بقيادات سياسية عميلة لنا إلى مراكز السيطرة في الحكومة. بعد تولّي القيادة، نعمل على خفض قيمة سنداتنا المالية وفق معيار الذهب ونجعلها غير قابلة للتحويل لعملة أجنبية، باستثناء حالة التعامل مع مصارف مركزية أجنبية، ثم نبدأ برسم الخطط لاستعادة الازدهار في البلد، لكنه هذه المرّة يكون ملكنا تماماً وتحت سيطرتنا المطلقة.


عندما نكون محظوظين، بإمكاننا مصادرة الذهب العائد للمواطنين كملكية خاصة، ذلك كعقوبة على تخزينه وإخفائه خلال حالة النكبة الاقتصادية الكبرى التي عمّت البلاد.

بعد قهر المنظومة الاقتصادية القائمة سابقاً أثناء الفوضى الناتجة من الانهيار والركود الذي سببته النكسة الاقتصادية، يصبح المجال مفتوحاً أمام تحقيق منظومتنا الرأسمالية التمويلية المتكاملة. إذا استطاع أباطرة المال وراء المصرف المركزي أن يتجنبوا دخولهم في منافسات سياسية واقتصادية فيما بينهم، فسوف ننجح بتأسيس نظام جديد قابل لأن يستمر إلى الأبد. يمكن لحالة حرب، يتم توقيتها مع هذه الفترة الانتقالية/الترسيخية، أن تشكّل حجّة مناسبة لتجنيد قوى ضاربة مطلوبة لسحق أي معارضة لنظامنا الناشئ حديثاً.

البروفيسور B، وهو رئيس مجلس إدارة سابق لأحد المصارف المركزية، سوف يشرح لك عن آلية عمل المصرف المركزي في الأنظمة الرأسمالية المتطورة.


..
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في الخميس يوليو 21, 2016 8:09 pm

كيف ظهرت النقود ولماذا أنشأت البنوك ؟ من يتحكم بها وكيف ؟
منذ ظهور البنوك والعالم يتخبّط في أزمات اقتصادية طاحنة وإفلاسات ضخمة، أين تذهب تلك الأموال ومن المستفيد منها ؟ 
فيلم أمريكي قصير يتناول هذه الأسئلة ويتعمّق في مسألة القروض والبنوك في العالم والولايات المتحدة خصوصا، يتناول الفيلم خطورة القروض وأثرها على الإقتصادات و نظرة في تاريخ نشأة البنوك و تمويلها للحروب.
--------------------------------------------------------------------------------
اسم الفيلم : The American Dream
كتابة وإخراج : Tad Lumpkin & Harold Uhl
ترجمة : حاذف ترم



avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أيقونة رد: أساليب السيطرة

مُساهمة من طرف أمين في الخميس يوليو 21, 2016 8:15 pm

الدولار، الذهب، النفط والطريق إلى الحرب العالمية الثالثة





***********


الفديو الأول والتاني مهمين في توضــــــــــيح كلام البروفيسور M 
ويشرحان بطريقة مبسطة ومختصرة آلية السيطرة على البنوك والعملات النقدية 
avatar
أمين
Admin

عدد المساهمات : 1444
تاريخ التسجيل : 09/01/2015

http://forsan.forumaroc.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى